فخر الدين الرازي
216
تفسير الرازي
ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله ، بل ربما قتله طمعا في سلبه ، فالله تعالى زجر عن ذلك فقال : * ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) * وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل . ثم قال : * ( إن الله كان على كل شيء حسيبا ) * أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف ، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها . قوله تعالى * ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجهان : الأول : أنا بينا أن المقصود من قوله : * ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) * أن لا يصير الرجل المسلم مقتولا ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله : * ( إن الله كان على كل شيء حسيبا ) * ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية ، فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان ، فقوله : * ( لا إله إلا هو ) * إشارة إلى التوحيد ، وقوله : * ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) * إشارة إلى العدل ، وهو كقوله : * ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) * ( آل عمران : 18 ) وكقوله في طه : * ( انني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى ) * ( طه : 14 ) وهو إشارة إلى التوحيد ثم قال : * ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) * ( طه : 15 ) وهو إشارة إلى العدل ، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة فينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا شك أنه تهديد شديد . الثاني : كأنه تعالى يقول : من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر ، فان البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو ، إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : قوله : * ( لا إله إلا هو ) * إما خبر للمبتدأ ، وإما اعتراض والخبر * ( ليجمعنكم ) * واللام لام القسم ، والتقدير : والله ليجمعنكم . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لم لم يقل : ليجمعنكم في يوم القيامة ؟